الشيخ محمد الصادقي
118
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ثم وهنالك ملكوت هي حقيقة الشيء وما به الشيء شيء ، فمن بيده الملك قد لا يملك ، ومن بيده الملك قد يضعف أو يزول ملكه ، ولكن الذي بيده الملكوت فبيده ناصية كل شيء إيجادا وإعداما وما بينهما تحويرا وتغييرا ، لا منعة عن إرادته فيه ولا مهلة بعدها له ! وعلّ الملكوت هي حقيقة الملك والملك مبالغة فيهما حقهما ، فليست إذا إلا للّه ، لا يشاركه فيها سواه اللهم إلّا علما إذا علّم اللّه . فهنا ملكوت يجوز النظر إليها وقد أمرنا به : « أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ . . . » ( 7 : 185 ) وهذه ملكوت تعرف بالنظر وهي افتقار الكائنات ذاتيا إلى من سواها . وهناك ملكوت يريها اللّه من يشاء : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » ( 6 : 75 ) وعلّها إرائة لافتقار أعمق مما يحصل بالنظر ، وقطعا ليست هي العلم المحيط بذوات الكائنات فإنه يساوق القدرة الخلاقة لها و « هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ » ؟ وهنالك ملكوت هي - فقط - بيده تعالى علما وقدرة : « قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ » ( 33 : 88 ) ؟ « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ » عن أن يعيى بخلق أمثالنا أو يتخذ في شيء لنفسه شريكا « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » كحتمية تقضيها العدالة والحكمة الإلهية ! وإنها ايقاعة ختامية قاحلة لهذه الجولة الهائلة في السورة كلها ، تضم الأصول الثلاثة بإجمال لطيف !